السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

63

أصول الفلسفة

الفرق بين العلوم والفلسفة : هذا البيان يوقف الباحث على المائز بين الفلسفة والعلوم ، ويميّز البحث العلمي عن الفلسفي ، إذ لو كان الغرض من البحث العلم بوجود الشيء ، وأنّه هل هو متحقّق أو لا ، وأنّه في أيمرتبة من الوجود أهو مادّي أو مجرّد ؟ جوهر أو عرض وهكذا . . . أو العلم بعلله ومبادئه ، كان البحث فلسفياً ، ولو كان الغرض من البحث ، العلم بعوارض الشيء التي عرضت عليه بعد فرض وجوده ، كان البحث علمياً غير فلسفي « 1 » . ولذلك قال الفلاسفة : إنّ للفلسفة الرئاسة التامّة على عامّة العلوم ، لأنّ البحث عن خواص الشيء جزماً والاستنتاج منه على وجه القطع والبت فرع الوقوف على أنّ له وجوداً وتحقّقاً .

--> ( 1 ) . الغرض التفرقة بين مسائل العلوم ومسائل الفلسفة وتحديدهما ، فإنّ الفلسفة تطلق عند بعض الغربيين وأتباعهم في الشرق على معان غير معروفة ولا دارجة ، بحيث صارت تلك الكلمة مبهمة المعنى ، فمن قائل بأنّها التفكير في نظام الوجود على نحو لا يصل إلى حد ، ولا يخرج عن التحيّر ، إلى آخر بأنّها عبارة عن الآراء المتشتتة ، إلى ثالث بأنّها ارتكاب التناقض في الرأي ، والتقوّل ب‌آراء متضادّة ، إلى رابع خبط خبطة عشواء لم يفرّق بين الفلسفة والعلوم ، وزعم أنّ مسائل كلّ منهما تنحل من طريق الآخر ، إلى خامس خلط التفكير العقلي والأسلوب القياسي الذي يستعمل في المسائل الفلسفية ، بالتجاريب الحسّية التي تختص بمسائل العلوم ، حتى تخيّل أنّ أدقّ المسائل الفلسفية - كتجرّد الروح - لابد أن ينحلّ من طريق المسائل الطبيعية وتشاهد بالمجهر ، وهذه آراء تافهة لا قيمة لها ولا مناص للباحث إلّا الاحتراز عنها . وأمّا الفلسفة فهي كلمة يونانية كانت مرادفة للفظ العلم ، إلى أن استقر الاصطلاح على التفريق بين اللفظين وكان ذلك في الأدوار الأخيرة التي قام الأسلوب التجريبي مقام الأقيسة العقلية في العلوم ، فأوجد الاختلاف في كيفية الاستدلال على المسائل في العلوم وفي الفلسفة ، فرقاً بين مفهومي لفظي العلم والفلسفة . ومع ذلك كلّه لم يستقر اصطلاحهم على أمر واحد ، بل يختلف حسب اختلافهم فيما هو المعتبر من الطرق والأدلة : فمن قال بحجية الأقيسة العقلية والتجاريب الحسّية معاً ، يخصّ لفظ الفلسفة بما يستدل عليه من طريق العقل البحت ، ولفظ العلم بما يتوسّل به في إثباته بالتجربة والحسّ . ولما كانت الأُمور العامة من بين المسائل العقلية عقلية بحتة صارت مسائلها مباحث فلسفية حقيقة بل عدّت من أُمهّات مسائلها ، ولذلك نجد أنّ أكابر الفلسفة يسمّونها العلم الكلّي ، لأنّها تبحث عن أعم المسائل وأشملها . وبما أنّه يبحث فيها عن الواجب والممكن والعلّة والمعلول ، يسمّى عند المحقّقين من الفلاسفة الإسلاميين بالإلهيات بالمعنى الأعم ( 1 ) في مقابل الإلهيات بالمعنى الأخص الذي لا يبحث فيه إلّا عن المبدأ الأوّل وأسمائه وصفاته . والحاصل : أنّ من يعتبر كلا الطريقين ( الإدراكات العقلية والتجاريب الحسّية ) يخصّ الفلسفة بالمسائل التي لا يقضى فيها إلّا بالعقل ، ويخصّ العلوم بما يتطرّق إليها بالحسّ والتجربة . ولكن بعدما تقدّمت المدنية الحديثة وتحوّلت الأوضاع الاجتماعية في أوروبا ، وصارت التجربة والحسّ أساس البحث في عامّة المسائل والعلوم حتى العقائد الدينية والأصول العقلية ، ظهر مسلك غريب في القرن السابع عشر . وملخّصه : إلغاء المسائل العقلية التي لا تصل عند التحليل إلى أساس التجربة والحس والأخذ بما يعتمد عليهما أو ينتهي إليهما ، والحسّ إنّما يصل إلى ظواهر الطبيعة ولا يستطيع أن يفسّر بواطنها وحقائقها . وعلى هذا : فالمسائل الفلسفية تعتمد على التجربة والحسّ ، غير أنّها لا تختصّ بعلم دون علم ويستفاد منها في العلوم غالباً ، والعلم عبارة عن المسائل المختصّة بموضوع واحد ، ولا تقع أساساً للعلوم . مثلًا البحث عن الروابط الموجودة بين العلوم ونسبة بعضها مع بعض ، أو البحث عن المسائل العامّة التي تعد أساساً لبعض العلوم أو لكثير منها بحوث فلسفية ، وغيرهما - أعني ما ليس بتلك المنزلة - بحث علمي . وفي طليعة هؤلاء « اغوس كنت » ( 2 ) فهو المؤسّس للفلسفة الحسّية المعتمدة على العلوم الباحثة عن المسائل العامّة ، وعن الروابط الموجودة بين العلوم وبيان نسبها ، وهو من المنكرين للفلسفة النظرية العقلية البحتة . غير أنّك سوف تقف على قيمة هذه الفلسفة الحسّية ، وأنّها لا تفيد فائدة تامة ولا يحصل منها الغرض المتوخّى ، وأنّها لا تتمكّن إلّا من تفسير ظواهر الطبيعة ومظاهرها ، وأنّها محدودة كمحدودية العلوم . فتلخّص أنّ الفلسفة تقابل العلوم وأنّها تطلق ويراد منها تارة : النظريات والمسائل العقلية الخالصة عند من يرى قيمة لهذه المباحث ، وأُخرى : المسائل العامّة التي يستفاد منها في بعض العلوم وتعتمد على الحسّ والتجربة عند من أسقط المباحث النظرية العقلية البحتة عن حيز البحث ولم يقم لها وزناً . - etnoC . etsuvguA - 2 ruqisyhpateM - 1